ثقافة مسرحية ملوك الطوائف: ما أشبه الليلة بالبارحة، يوم "قطّع" العرب عقدهم فانفرطت حباته إلى يوم يبعثون !
ما أشبه الليلة بالبارحة، حينما اتفّق العرب على أن لا يتفّقوا، حينما اتّفقوا على التشتت والخيانة والتفرّق وعداء بعضهم البعض والتناحر فيما بينهم، حينما اتّفقوا على تمويل خرابهم بأياديهم الملوّثة بالعار فنحروا أوطانهم بخناجرهم المسمومة فانفرط عقدهم وتناثرت حبّاته إلى يوم يبعثون...
تاريخ العرب بات كالعنقاء لا يشيخ ولا تتغضّن ملامحه فتُبعث مآسيه كل مرّة من جديد في قالب مختلف وزمن مغاير ليصبح المصير متشابها في صور أكثر إيلاما وأسى وقهرا.
هكذا جسّدت المسرحية الغنائية "ملوك الطوائف" التي عٌرضت يوم الاثنين والثلاثاء 15 و16 جوان 2019 على مسرح قرطاج الأثري لتصبح تونس ثالث بلد عربي يحتضنها بعد لبنان وقطر، هكذا جسّدت المسرحية فصولا من "مسرحية مأساوية" لتاريخ عربي لا يُنسى مما حدث في الأندلس التي سقطت أوراقها ذات خريف فانقسمت إلى طوائف حكمها ملوك همّهم الوحيد عرشهم وأحلامهم السرمدية الطامعة غير عابئين بحضارة ذهبت أدراج الضياع.

يقول منصور الرحباني مؤلف "ملوك الطوائف" وملحّنها: "لا أقصد العودة إلى التاريخ بل أعالج أي موضوع يعجبني وأراه جميلا"...
وما صورة سقوط الأندلس إلاّ مرآة معطّرة بالتاريخ أراد من خلالها منصور الرحباني وأبناؤه تسليط الضوء عمّا يحدث في بلداننا العربية اليوم من خراب وفوضى والتي بات يحكمها "ملوك الشعارات والهتافات"... يقول منصور الرحباني مؤلف "ملوك الطوائف" وملحّنها: "لا أقصد العودة إلى التاريخ بل أعالج أي موضوع يعجبني وأراه جميلا"..
وباحترافية فنية لا متناهية وحضور ركحي لافت للممثلين والمطربين غسان صليبا وهبة طوجي وبعناصر سينوغرافية مميّزة وبلوحات كيروغرافية لافتة وبشعرية غنائية حالمة حملتنا مسرحية ملوك الطوائف بعبقها التاريخي المعتق لنسبر أغوار ما حدث في مرحلة مهمة من تاريخ الأندلس يوم انقسمت الدولة إلى 22 "دُويلة" وإمارات مستقلة أعلن كل أمير نفسه ملكا على حصّته لتدخل بذلك الأندلس عصرا جديدا مشوّها عُرف باسم ملوك الطوائف (وهم الأمراء الذين أعلنوا استقلالهم السياسي عن قرطبة بعد سقوط الأمويين)، أشقاء في العلن أعداء في السر يقاتل بعضهم بعضا ويسعون إلى نيل رضا ألفونسو السادس ملك كاستيليا فيحالفونه ضدّ بعضهم دون أن يجتاح ضميرهم أيّ جذوة من نار..

إذا بطل القتل بطلت السلطة
بالفعل لقد سافرت بنا المسرحية الغنائية ملوك الطوائف عبر سحر فني عانق الماضي إلى عتبات تاريخية فارقة حينما كانت تلعب السياسة في عصر ملوك الطوائف والتي كانت تعمل بمقولة " إذا بطل القتل بطلت السلطة" كانت تلعب لعبة قذرة ساهمت في شتاتها ولعلّ الطامة الكبرى هي رضخ المعتمد بن عبّاد الذّي كان يحكم إشبيلية وقرطبة ويعتبر أوسع الملوك نفوذا (يلعب دوره الفنان غسّان صليبا) إلى توقيع معاهدة سرية مخزية والتي بمقتضاها يتعهد ملك قشتالة بمعاونة المعتمد ضد جيرانه العرب المسلمين، وفي مقابل ذلك يتعهد المعتمد بأن يؤدي الجزية لملك قشتالة، وأن يطلق يده في أعماله العسكرية ضد طليطلة وهو ما ساهم بعد ذلك في سقوط ما تبقى من الأندلس.
وفي حبكة درامية ذات طابع مباشراتي لافت فهم كل من تابع المسرحية بأنّ هذه الدويلات الـ22 ما هي إلاّ دلالة على الوطن العربي الذي يشتمل على 22 دولة وما سقوط الأندس وإماراتها إلاّ سقوط للمبادئ والضمير العربي.
وعلى غرار أسطورة أوديب، ورغم أنّ المعتمد بن عبّاد كان شاعرا وأديبا ومحبّا للعلم والمعرفة إلاّ أنه كان عوض اهتمامه بأمور مملكته وشعبه الجائع وصلاح أمرهما نراه مهووسا في خوف فاضح وخشية مميتة من تحقّق "نبوّة منحوسة" حول تحطّم عرشه والقضاء عليه من قبل شخص سيأتي إليه من بلاد المغرب وهذا ما فعله يوسف ابن تاشفين ملك البربر.
وقد نجح الممثل غسان صليبا الملقّب بـ"خوليو العرب" لجمال صوته وعذوبته في تجسيد دور المعتمد وتقمّص شخصيته فكان حضوره الركحي اللافت عبر المشاهد التمثيلية الحركية والمشاهد الغنائية الروائية، كان عاكسا لاحترافية فنية كبرى ومسيرة إبداعية لا متناهية خاصة من خلال أدائه لأغنية "أجملي يا أم عمر" في مشهدية فنية راقية شاركه فيها عدد من الراقصين المحترفين لتكون من بين أجمل اللوحات الكيروغرافية في المسرحية.
خفيفة مثل اليقضة وسعيدة مثل الحلم...

وغير بعيد عن أعتاب سياسة "المتقاتلين العرب" ودويلاتهم المشتتة، أصاب سهم كيوبيد قلب المعتمد فأوقعه في عشق غسّالة ثياب تدعى اعتماد الرميكية حيث تمكنت ذات يوم من الاستحواذ على فؤاده والتربّع على عرش ملكه لفرط جمالها وفصاحتها وحبّها للشعر ونظمها له وكيف لا يقع في حبّها وهي التي وصّفت نفسها بأنها "خفيفة مثل اليقظة وسعيدة مثل الحلم" مثلما جاء على لسان الممثلة هبة طوجي التي عانق صوتها المخملي السماء وبعثت روح الرميكية في جسدها فتماهت مع الدور الذي أدّته وانصهرت فيه كما ينصر الذهب في العرش.
صورة المرأة في مسرحية ملوك الطوائف كان له سحر وعبق مختلف، فهي التي مثّلت نقطة الضوء المشعة في ظلام واقع عربي دامس حيث حاولت اعتماد الرميكية وهي ابنة الشعب والشاعرة بآلامه حاولت مرارا وتكرار نهي زوجها المعتمد على عدم التوقيع على اتفاقية الموت مع ملك قشتالة ورغم اتخاذها من سارق (وشتّان بين سرقة الشعوب وسرقة الملوك) يدعى "أزرق" حارسا خاصا لها بعد العفو عنه حتى يتجسس لها عمّا يحدث داخل سراديب اجتماعات القادة العرب إلاّ أنّ خططها باءت بالفشل فغلب الطمع الضمير وهزم الجشع المصير المنشود وكان قول المعتمد لحبيبته اعتماد "لما بيكون الحلم اكبر من الواقع الموجود لازم الحلم ياكل هالواقع" أكبر مجسّد لما حدث.

وساهمت اللوحات الفنية ذات الطابع الإبداعي المميّز والمراوحة بين الرقص والغناء والتمثيل، ساهمت في نسج شعرية حالمة رسمت الجمال إلى ابعد الحدود وبسحر فني عانق الحضارات وسكن الحاضر، نجح الرحابنة في نبش لب التاريخ وسحب عصارته ثم مزجها في قالب فني إبداعي أبهر الجمهور الحاضر في مسرح قرطاج الأثري وألزمه مكانه حبّا في متابعة عمل درامي ناجح تمكن من شدّه لمدة زمنية فاقت الساعتين ونصف.

أمّا على مستوى الغنائية فلم تخلو مسرحية ملوك الطوائف من الطابع الرحابني الأصيل وجوّه الفيروزي الراسخ تارة رغم استعانتهم في عملهم ببعض الإيقاعات الفلكلورية والموشحات الأندلسية ومنها موشح "ايها الساقي" ولا ننسى ما أضفته الملابس بألوانها التاريخية العربية والأندلسية والبربرية والاسبانية من جاذبية على مختلف مشاهد العرض.
ولعلّ الذروة الفنية في مسرحية ملوك الطوائف التي رسمتها حبكة درامية مضحكة مبكية في آن واحد تجسّدت في مشهد انعقاد مجلس ملوك الطوائف من أجل نصرة قرطبة التي كان يحاصرها ملك طليطلة ابن زنون، والتي انتهت برفض تقديم المساعدات والذخائر الحربية لنجدتها واكتفوا برفع الشعارات والتنديد الكلامي والهتافات التي لا تغني من جوع وهو ذات الحال الذي تنتهي إليه القمم العربية المنعقدة.
"إذا راح الملك، بيجي ملك غيرو، وإذا راح الوطن، ما في وطن غيرو، اسمعوا يا كل الملوك"

ختام مسرحية ملوك الطوائف كان موجعا مؤلما كاشفا للعورات ومصوّرا للخيبات العربية المتتالية، حيث تجرّع المعتمد بن عبّاد كأس المرارة فكان شاهدا على سقوط الأندلس وافتكاكها من قبل ملك البربر يوسف ابن تشفين وهو الذي استنجد به لنصرته وهنا صوّر الرحابنة في مسرحيتهم البربر وملكهم بن تاشفين على أنهم وحوش بشرية متوحشة فألبسهم السواد حتّى في أزيائهم التمثيلية وهنا يطرح السؤال ما ذا ستكون ردّة فعل المغاربة إن تم عرض المسرحية في بلدهم دون تغيير السيناريو؟
وهكذا بكت الكمنجات على العرب الخارجين من الأندلس وبكت على زمن ضائع لا يعود وعلى وطن قد يعود مثلما قال محمود درويش في قصيدة "أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي"، فما كانت مسرحية ملوك الطوائف إلاّ صرخة وجهها منصور الرحباني عبر روايته إلى العرب حتى يعلموا أنّ تاريخهم يعيد نفسه في هيئات مختلفة فما دام العرب عرب إلاّ وألفونسو دائم الوجود.
منارة تليجاني